\المشرف ما زالت قضايا وملفات الفساد التي تعلن تباعا تغزو العقول وتتصدر وكالات الانباء المحلية واخبار المحطات الفضائية ، فقد اثارت لعب الاطفال الواردة لميناء ام قصر بديلا عن رؤوس توليد لمحطات كهربائية وقضية الزيت وحليب الاطفال المنتهي الصلاحية ... الكثير من التساؤلات حول جدوى خطط محاربة الفساد المالي والاداري وجهود هيئة النزاهة والمؤسسات القضائية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الردع القانوني والاداري وحتى الاخلاقي . واذا كانت الاسباب التي تقف وراء انتشار وتفشي ظاهرة الفساد او انحسارها كثيرة ويقف في مقدمتها الدوافع الغريزية motivated desires ، التي فطر الانسان فيها على حب المال والسعي الى النفوذ والسلطة ، ثم الثقافة الدينية والمجتمعية religious culture and community التي تصقل تلك الدوافع الخلقية وتضبط انفلاتها . فلماذا لم نتلمس الفساد بصوره الواضحة قبل التاسع من نيسان 2003 وبالشكل الذي يظهر ويستفحل فيه اليوم ؟ ان العراق واجه في الفترة التي سبقت سقوط النظام حربين احداهما طويلة استمرت لثمان سنوات والاخرى قصيرة لكنها مدمرة تبعها حصار اقتصادي استمر لاكثر من ثلاثة عشر عاما ، كل هذه الحوادث ادت بما حملته من دمار مادي ومعنوي الى خلخلة الاسس والقيم داخل المجتمع والفرد ، وادت كذلك الى تغيير في منظومة القيم السائدة من خلال انتشار الحالات السلبية واللاخلاقية والابتعاد عن مفاهيم الصدق وخيانة الامانة وضعف الوازع الوطني والرادع القانوني . كما ان سطوة النظام السابق والسرية التي كان يتعامل معها في مواضيع من هذا القبيل حالت طوال الفترة ما بين ( 1991 – 2003 ) في منع شيوع تعبيرات والفاظ من قبيل الرشوة ، الفساد الاداري والمالي ، المحسوبية ... في وسائل الاعلام او حتى في الاحاديث الودية والجانبية . تبع كل ذلك انتشار حالة من عدم الاستقرار طيلة السنوات القليلة الماضية ، مما هيأ الاجواء بشكل كبير وفعال للكثير من الحالات السلبية بالرواج والانتشار والظهور العلني ومنها الفساد المالي والاداري ، خصوصا مع غياب الرقابة والعقاب . اذن ، نار الفساد التي رأيناها بالامس تحرق الوزارات والادلة والادانات كانت صغيرة وهامشية ( تحت الرماد ) منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي ( اي بدايات الحصار الاقتصادي ) وليست وليدة اللحظة الحالية او المرحلة المعاصرة في ظهورها ومبرراتها ، لكنها تتحول اليوم الى غول ، ان لم نواجهه جميعا بالقول والعمل لن يتوقف وسيستمر؛ متغلغلا مخربا؛ في كافة مفاصل الدولة والمجتمع .