زينة والخزينة_السيناريو الرسمي لقضية لم تنته بعد!!
محمد خضير سلطان
صدر كتاب في شكل –كراس صغير- بعنوان(زينة والخزينة)، يحمل شعار هيئة النزاهة ويحتوي على عدد من اللقاءات، اجراها المؤلفان علي زين العابدين وغالب الدعمي مع مسؤولين مباشرين في قضية اختلاس الاموال من امانة بغداد الشهيرة.
ابتدأ الكتاب بمقدمة،كتبها القاضي رحيم حسن العكيلي،رئيس هيئة النزاهة مؤرخة بتاريخ ايار 2010، ولا تخلو هذه المقدمة من صفات اسلوبية ، تعزز مبحث المقدم في طرح القضية، وتوضح الطريقة التي يستخدمها القاضي العكيلي في استثمار المبنى الادبي والسايكولوجي الى جانب الحديث عن اطار القضية وتفاصيلها العامة.
في مقدمته، يختار العكيلي ، مبدأ القصدية في السلوك بين ما هو عام وخاص، فسلوك الفاسد لايقصد او يتعمد الاعتداء على المال العام بقدر ما تقوم القصدية على تلبية منافعه الخاصة والاستجابة الى دوافعه اللصوصية الذاتية التي تعود بالمغانم الى نفسه، ولعل كاتب المقدمة ، يتحدث عن سياق ،يخص قضية المختلسة زينة سعود، الموظفة في امانة بغداد غير ان التعميم بالقصد، يوضح ان القوانين لا تشرع على اساس الجرائم الفعلية وانما على اساس صيانة المصلحة الوطنية ومنع الاضرار بالممتلكات العامة، ولولا هذا السياق الذي يتحدث به القاضي عن قضية محددة لقلنا ان الفاسدين وان كانوا لايقصدون الا مصالحهم الخاصة ولكن من الممكن وهذا حاصل في العراق ان يتم توجيه المنافع الذاتية في اطار تخريبي وارهابي ، يستهدف بقصدية الممتلكات العامة والمصلحة الوطنية ومن قبل جماعات وقوى، تدرك جيدا معنى الفساد مقابل زعزعة ادارة الدولة وترسيخ النزاهة في استتباب الوضع السياسي والامني.
من المؤكد ان القاضي العكيلي، لم تغب عن ذهنه هذه الملاحظة ولكن الصفات الاسلوبية التي اضفت على مقدمته تركيبا ادبيا، جعلت تركيز المقدمة ،يقوم على فكرة استرداد الاموال من قبل الدولة وتفويت الفرصة على تحايل المختلسين للتمتع بالاموال التي سرقوها بعد انقضاء مدة حكمهم، يقول العكيلي في معرض مقدمته ان الفاسدين لا يحزنون في السجن ما داموا ،يحتفظون بالمال الذي اختلسوه او تقاضوه كرشوة في مكان آخر، فهم سيخرجون من السجن ومن ثم يتمتعون بتلك الاموال دون ان يطالهم القانون.
في تلك النقطة ، يريد العكيلي ان يؤكد على اهمية استرداد المال العام قبل ان يقضى على المحكومين او يتعين ملاحقة عائدات الفساد بنفس القوة والفاعلية التي تلاحق بها مرتكبي هذه الجرائم كما يقول.
ومع ذلك فان المعاني الجانبية كثيرا ما تتداعى في مثل الاسلوب الذي جاء في المقدمة، اذ يرى العكيلي بان الفاسد الذي يخرج طليقا من السجن ،ربما يصبح سياسيا له اثره في الدولة والمجتمع،، من اين جاء العكيلي بهذه الفكرة الجانبية مع العلم باننا لانناقض الفكرة، هل هو استشهاد لامثلة حدثت في تجارب عالمية مثلا، وما شاننا في ذلك ام هي فكرة مقترنة بوقائع محلية لفاسدين متنفذين في الادارة العامة للبلاد الآن.
والمسألة ان القاضي العكيلي في تركيبته اللغوية البارعة، اراد ان يقول في بداية مقدمته ان الفاسد المحكوم بالسجن والذي ينتظر اطلاق سراحه لكي يسترد ما سرقه ما كان بحسبانه يوما ان يكون سياسيا متنفذا ولكن الاموال التي بحوزته ، تجعله قادرا على ان يحقق ذلك.
اية هيئة لاستعادة النظام كليا، ستكون النزاهة مادام جزء من الطبقة السياسية ،يقوم على هذا النحو، واية مهمة شائكة ستكون مهمة عشرات الحكماء وربما اكثر لانجاز شىء على مستوى النزاهة.
ومن المعاني الجانبية التي جاءت في اللقاء الذي اجري مع القاضي العكيلي، بانه تعلم من هذه الحادثة(زينة) ما هو اكبر منها، وقال بالحرف الواحد: هناك شىء ،تعلمته ولم يسبق لي ان تعلمته في السابق ومن خلال تواجدي في عمان وبيروت والقاهرة،،تعلمت ان هناك كمية كبيرة من المعلومات موجودة في الخارج.
ويضيف: العراقيون الموجودون بالخارج يعلمون اكثر من الداخل عن اتفاقات وعقود فساد اكثر مما نعرف نحن..ومعظم الاتفاقات، تعقد خارج العراق.
واذا كان القاضي العكيلي صادقا في تجلياته الاسلوبية وهو حقا كذلك ،فان تجليات الفعل واتخاذ الاجراءات العملية لابد ان تكون لاحقة حتما فما هو الاجراء اللاحق الذي يستعين بالعراقيين في الخارج للاستدلال على الفساد في الداخل، ربما لم يصل الامر الى اعلان ما اقدمت عليه هيئة النزاهة بهذا الخصوص.
من جانب آخر، تعود المقدمة الى سياقها التقريري في مكافحة الفساد عالميا اذ ركزت اتقاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2003 على دعوة الدول الى التعاون لمنع الفاسدين من سرقة اموال بلدانهم ثم الانتقال بها الى بلد اجنبي ليتمتعوا بها دون ان تطالهم يد سلطات انفاذ القانون والقضاء في بلدانهم، ورفع شعار(لا ملاذات آمنة).
****
تضمن الكتاب عددا من اللقاءات،اجراها المؤلفان ، هي بمثابة الفصول او الابواب لهذا المؤلف، فكان اللقاء الاول مع السيد صابر العيساوي ،امين العاصمة، تحدث فيه عن رواية امانة بغداد وزوايا سردها لحادثة الاختلاس الكبيرة التي نفذتها الموظفة زينة سعود وما دار داخل اروقة الاقسام من تدقيق السجلات واستدعاء المعنيين من الموظفين وحتى طلب المساعدة من عمليات بغداد وتدقيق قوائم الاتصالات بمساعدة اميركية حتى تشكيل غرفة عمليات الرصافة.
ومن المعلومات التي لم يعرفها القارىء وكما جاءت في اكثر من مكان في الكتاب بالاضافة الى قول امين العاصمة، ان عملية الاختلاس لم تحدث بين يوم وليلة وانما استمرت لفترة لمايقرب من السنة والنصف، بدأت في الشهر الثالث لسنة 2008 حتى انتهت في الشهر العاشر لسنة 2009.
وحينما سأل المحاور امين العاصمة: كيف اكتشفتم الاختلاس بعد كل هذه المدة الطويلة.
قال: كان هناك فرق، هو تسعة آلاف دينار، اكتشفت من خلال موظفين في الامانة ، دققوا في المستندات فوجدوا ثلاثة مستندات محرفة.
بادره المحاور: اين التدقيق الداخلي ،واين التدقيق الخارجي؟
قال الامين بغموض بالرغم من ذكره الصراحة حرفيا في حديثة، بان الرقابة والتدقيق الداخلي، لم تجد في المطابقة الشهرية ما يثير الشك ،وكذلك الرقابة الخارجية.. وهذه واحدة من مشاكلنا المهمة حسب ما ورد في الكتاب.
ومع ذلك، يعود الامين الى قول صريح دون ان يذكره حرفيا حين يؤكد: اذا ثبت عدم وجود تواطؤ مع زينة من داخل الامانة وخارجها فسيحكم على بعض موظفي الامانة بتهمة الاهدار الشديد للمال العام حسب الكتاب ايضا.
في اللقاء الثاني الذي اجري مع قائد عمليات الرصافة، ينتقل الكتاب الى رواية آخرى ، مفادها ان الموظفة زينة ومنذ بدء تعيينها ، كانت تجلب بعض الاوراق المزورة في ما يخص مكان سكنها وتؤكد الرواية على ان زينة في هذا الوقت هي طليقة في بغداد وتتم عمليات الاتصال بها دون صعوبة لا بل انها وكما جاء في اللقاء مع قائد عمليات ،تبدو مسيطرة على الموقف من خلال تهديداتها للمسؤولين وتجري تصفياتها بمسدس كاتم ، فقد قتلت عصابتها ملازم اول وادي –حسب رواية قائد عمليات الرصافة- بعد يومين من تهديده.
اما السيد وزير الداخلية فقد اكد بان وزارته هي الذراع التنفيذي لهيئة النزاهة، اذ عقد اكثر من مؤتمر مشترك بين الوزارة والهيئة حيث هناك 17فريقا امنيا ،يعمل مع مكاتب التحقيقات في الهيئة.
وكان اللقاء الرابع مع القاضي رحيم حسن العكيلي ، رئيس هيئة النزاهة الذي يؤكد بان هذه القضية هي الانجح التي عملت عليها الهيئة منذ تأسيسها من حيث النتائج في ما يتعلق بالقبض على المتهمين.
واضاف بان المتهمة حولت قسما كبيرا من المبلغ الى مصارف لبنانية واردنية، وجرت اتصالات لهذه المصارف لأن المتهمة ستأتي لهم منتحلة اسما آخر، هو سرى رحمن وان اسمها الحقيقي زينة سعود كما انها تحمل جوزا مزورا بنفس الاسم المنتحل، ويتابع العكيلي بان هذه الطريقة الوحيدة التي جعلت السلطات اللبنانية متعاونة معنا.
من جانب آخر، اعرب العكيلي عن امتعاضه في تهاون امانة بغداد عن القاء القبض على المتهمة حينما كانت طليقة في بغداد، ويؤكد بانه لايفهم سببا لذلك.
في نفس السياق، اكدت اللقاءات الآخرى التي اجراها المؤلفان مع نائب رئيس هيئة النزاهة عزت توفيق ومدير الشرطة العربية والدولية واللقاء مع المحقق، ان الجهات الرسمية قد عملت على التنسيق السريع والمتكامل من اجل الوصول الى نتائج ملموسة.
ومن المهم الاشارة في نهاية الكتاب الى ما خلص اليه المؤلفان من نتائج ودروس هي في واقع الامر تعبر عن سيناريو ورواية الجهات الرسمية نفسها لولا التنوع الاسلوبي الذي استثمره المؤلفان في بسط المعلومات واستخراج الاجابات المفيدة كمعلومات كما ان استنتاجاتهما جاءت على لسان المسؤولين في الحديث مثل، الاستناج الذي يؤكد،ولأول مرة في تاريخ العراق،تتمكن جهة حكومية من ملاحقة مبلغ مختلس وتم تجميده، ان هذا الاستنتاج وغيره ورد في سياق احاديث المسؤولين انفسهم فكيف يمكن استعادة جمعه وتصنيفه على انه استنتاجات بحث غير ان المؤلفين ارادا من خلال التوثيق ان يعطيا الفرصة البحثية كما ذكرا للدارسين والباحثين في مجال ثقافة النزاهة ومكافحة الفساد.
***
وهنا لابد ان نسأل، هل انتهت قضية الموظفة زينة واغلق ملفها بالرغم من التنائج الكبيرة التي توصلت اليها الجهات الرسمية المتعددة، ومن الملاحظ ان هذه الجهات عند عملها في الجانب التحقيقي، تبدو وكأنها خلاصة اعلامية مأخوذة ومنبهرة بالنتائج وتصل حد الارتياح والاطمئنان النهائي الى معلوماتها في الوقت الذي ابقت اكثر من جانب لم يجر البحث فيه، ويحتاج الى جهد مضاعف لاستكمال ما هو منجز مثلما هو بحاجة الى اعمال الدقة في قضية لايمكن التباهي بها اعلاميا قبل ان تستوفي شروط انتهائها كقضية.
ومن الضروري ايضا ، ايراد الجوانب التي لم تستكمل في قضية زينة، منها مايخص مكان العمل الذي تعمل فيه الموظفة وتواطؤ محيطها من العاملين معها ودورهم في مساعدتها بقصد او دونه او استغلالهم، والدليل على ذلك، تساؤل امين العاصمة السيد صابر العيساوي بالقول والاقتباس من الكتاب: شىء لايعقل،موظفة صغيرة، تختلس كل هذه الاموال وبدون تواطؤ المصرف، وبدون دعم موظفين كبارفي امانة بغداد!!.
كما ان قضية شركاء زينة ،ظلت لغزا غير محسوم في تفاصيل التحقيق واكدت النتائج على هيمنتها الكاملة وسلطتها المطلقة فيما لم تعتد اجهزة التحقيق على مثل هذه الحالة سابقا سواء في البلاد او خارجها وخاصة في حالة اختلاس لمبلغ كبيركهذا.
على صعيد آخر، ان مسار التحقيق ونتائجه، ركز على استرداد الاموال فقط ولم تقابله فاعلية اتخاذ الاجراءات بشأن الجريمة التي رافقت العملية، وكان السيد قائد عمليات الرصافة، يتحدث ببساطة بريئة عن قتل احد زملائه بمسدس كاتم بعد يومين من تهديد المتهمة زينة له ويقول: لو اتيح لي مقابلة زينة لسألتها لماذا قتلت هذا العنصر الذي ضحى بنفسه من اجل قضية وطنية فيما لم يتطرق الى تفاصيل اثبات الجريمة ضد المتهمة.
مواضيع ذات صلة
الزورخانات في بغداد قراءة في كتاب_التغير الديمقراطي غول اسمه الفساد حكومة جديدة.. امال كبيرة... ايران .. ازدواجية المعايير...
|