ما يحدث في العراق الان ..
هاشم صالح ان التحليلات الصحفية السريعة والسطحية لم تعد تكفي لفهم ما يجري الان في العالم العربي عموما وفي المشرق العربي خصوصاً.وهي تحليلات تنثال علينا كالسيل الجارف من كل حدب وصوب.ولكنها على الرغم من اهميتها في تفسير الاحداث الجارية او التعليق عليها لا تشفي الغليل .يلزمنا أذن تحليل فلسفي يصل الى اعماق الأمور او جذورها الدفينة،وهو ما سأحاوله هنا وفق إمكاناتي المتواضعة.كان فرويد يقول بما معناه:كل ما كبت على مدار التاريخ سوف يستيقظ يوماً ما،وينفجر كما تنفجر البراكين من اعماق الارض ويطالب بحقه في الوجود والتعبير عن نفسه.وسوف ينتقم لنفسه ممن كبتوه وظلموه. والآن كيف نطبق هذا الكلام على الواقع العربي؟ عكس ما نتوهم فإن التدخل الاميركي – الانكليزي في العراق وعلى الرغم من ضحاياه البريئة وتجاوزاته الا انه ليس سبب اندلاع المشكلة الطائفية،او المذهبية هناك وفي المنطقة برمتها.فهذه المشكلة لها جذور عميقة في الذاكرة الجماعية للسنة والشيعة وتعود الى مئات السنين .كل ما فعله التدخل الأجنبي هو انه حرر الطاقات المكبوتة والاصوات المخنوقة والفئات المضطهدة على مدار التاريخ لدى الشيعة والاكراد على السواء. وهذا شيء غير مسموح به بالنسبة للنظام العربي- السني المسيطر منذ ألف سنة او اقل (اي منذ انهيار البويهيين في منطقة العراق- ايران ،والفاطميين في مصر وشمال افريقيا).ورد فعل العرب السنة في العراق على هذا التغيير المفاجئ الذي صدمهم وأذهلهم مفهوم.إنه يشبه رد كل الفئات المهيمنة على مدار التاريخ. فعلم الاجتماع من كارل ماركس وماكس فيبر حتى بيير بورديو يقول لنا ما يأتي :ان ايدولوجيا الفئة المهيمنة تاريخياً على المجتمع تصبح بمرور الزمن المتطاول إيديولوجيا المجتمع عامة. بل اكثر من ذلك تصبح بداهية او تحصيل حاصل وتنال شرعية مطلقة لا تناقش ولا تمس.ولا يعود مسموحاً طرح اي تساؤل عنها او عن مشروعيتها من قبل اي شخص كان وبخاصة من قبل المهيمن عليهم.ولذلك فعندما تحاول الفئات المضطهدة ان تثور على قانون الهيمنة الراسخ هذا فإنها تجابه فوراً بالرد العنيف والصارم.من هنا نفهم التفجيرات المروعة التي تصيب شيعة العراق وأكراده بالمئات والآلاف. بل ان اي باحث او مفكر يحاول النبش عن قانون الهيمنة المخفي هذا واخراجه الى السطح وجعله عرضة للنقاش والمراجعة سوف يواجه فوراً بالرد الحازم من اجل قطع الطريق عليه واطالة امد قانون الهيمنة الى اجل غير مسمى:اي حتى نهاية الدهر اذا أمكن! فالانسان صاحب الامتيازات يحب الوضع القائم ولا يشعر بوجود اي مشكلة.وحدهم ضحايا قانون الهيمنة يشعرون ويعرفون. ولكن المشكلة هي ان التاريخ ينتقم لنفسه كما قال فرويد.بمعنى انه لايمكن لاي قانون هيمنة واستعلاء ان يستمر الى الابد. فعاجلاً او اجلاً سوف ينكشف أمره وتزول عنه هالة القدسية والمشروعية تهميداً لإسقاطه وإحلال قانون آخر محله.وهذا ما هو حاصل في العراق حالياً.فالشيعة والاكراد يريدون ان ينالوا حق المواطنية كاملاً مثلهم في ذلك مثل العرب السنة.ولكن هؤلاء الاخيرين بسبب هيمنتهم التاريخية على البلاد يعتبرون هذه المطالبة بمنزلة عدوان عليهم! ولا ينبغي ان نلومهم كثيراً على هذا الموقف لانه يمثل رد فعل كل الفئات المهيمنة في التاريخ من دون استثناء.بالطبع فإننا نرفض موقفهم ولكننا نحاول فهمه واستيعابه.فهو لا يختلف في شيء عن موقف الكاثوليكيين في فرنسا تجاه البروتستانتيين المعتبرين هراطقة او خارجين على الخط المسيحي المستقيم والصحيح.وفق هذا السياق نفهم سبب زيارة موفق الربيعي لشيخ الازهر لكي يأخذ منه فتوى تعتبر ان الشيعة هم مسلمون ايضاً،ومن ثم فلا يحق لابي مصعب الزرقاوي تكفيرهم واستباحة دمائهم على هذا النحو.ومادام العالم العربي خاضعاً لتصورات الفقة القديم وعقلية القرون الوسطى فانه لاحيلة لنا في الامر،ومن ثم فتصرف الربيعي مفهوم ضمن هذه الظروف.ومن المعلوم ان الفيلسوف الفرنسي اوغست كونت كان قد بلور نظرية المراحل الثلاث التي تمر بها البشرية في سلم التطور:اي المرحلة اللاهوتية او الغيبية القروسطية،فالمرحلة الميتافيزيقية،فالمرحلة الوضعية او العلمية الحديثة. وحدها أوربا استطاعت ان تتجاوز المرحلة اللاهوتية الطائفية القديمة وتتوصل الى المرحلة العلمية والفلسفية الحديثة التي لا تقيم الانسان طبقا لمكان ولادته وانما طبقا لامكاناته وكفاءاته وميزاته الشخصية.ولاننا لم نتوصل الى هذه المرحلة بعد فإن الطائفية او المذهبية سوف تظل منتعشة في العالم العربي،وسوف تظل هي المعيار او المقياس الاساسي لتقييم الناس ويا ويلك اذا ما ولدت في المكان الخطأ:اي في مناطق الاقليات !فأنت مجرم عندئذ...ومن ثم فان تفكيك العصيبات الطائفية والمذهبية والقبلية الراسخة هو الشرط المسبق والضروري لتشكيل مجتمع مدني متماسك ومنسجم في سائر الدول العربية.ولان هذا العمل لم يتحقق حتى الان ولم يجروء عليه اي حزب سياسي او حتى اي مفكر ذي وزن،فإن الطائفية سوف تظل مستفحلة وترعب الناس ليس في العراق فقط، بل في سوريا ولبنان والخليج العربي ومصر ايضاً،إلخ... لقد حاولت الحركات "التقدمية"القفز فوق المشكلة الطائفية بدلا من مواجهتها مباشرة.ولذلك فهي تنفجر في وجوهنا الان بكل عنف ورعب ودموية.وسوف تظل تنفجر حتى تشبع انفجاراً.بعدئذ يمكننا تشخيصها وتحليلها وتفكيكها تمهيداً لأزالتها وتحقيق ما يدعوه محمد اركون بتوحيد الوعي الاسلامي على اختلاف مكوناته من سنية وشيعية وإباضية.غير ان هذا لا يكفي.إذ ينبغي تفكيك الجدران الطائفية التي تفصل بين المسيحيين العرب والمسلمين العرب.عندئذ،وعندئذ فقط ،يمكن تشكيل دولة حديثة في سوريا او لبنان او مصر او العراق او البحرين،الخ...وما قلته في الانقسامات الطائفية والمذهبية التي تنفجر الان كالقنابل الموقوتة،ينطبق ايضاً على الانقسامات العرقية- اللغوية.فالاكراد لهم الحق في هويتهم اللغوية والثقافية التي تعود الى ألاف السنين،وكذلك الامر بالنسبة الى الامازيغ في بلاد المغرب العربي الكبير.وقد سعدت جداً عندما وجدت مبنى الجمعية الوطنية العراقية اصبح يضع على واجهته الاسم النبيل باللغتين العربية والكردية .وذكرني ذلك بالبلدان الحضارية المزدوجة اللغة كبلجيكا مثلاً.
واخيراً سأوجه كلامي الى إخواني العرب السنة في كل انحاء العالم العربي واقول لهم:لا ينبغي ان تخشوا استيقاظ الهويات الشيعية والمسيحية والكردية والامازيغية ...فهي ليست موجهة ضدكم وانما ضد نظام الهيمنة القديم الذي لم يعد قادراً على البقاء والاستمرار.فقد اكل وقته كما يقال واستنفد طاقاته وامكاناته وسوف يسقط كما سقط في اوربا بعد التنوير والثورة الفرنسية .ونحن بحاجة الى نظام جديد يتساوى فيه الجميع امام القانون والمؤسسات كما حصل في الدول المتقدمة.لقد ولى زمن الاحتقار والتمييز الطائفي او العرقي.والافإن البديل من كل ذلك هو الحرب الاهلية المدمرة وانهيار السقف على رؤوس الجميع!...
مواضيع ذات صلة
امبريالية خليجية !!!! ترشيق الحقائب الوزارية وتعزيز البطاقة التموينية الأكاديميون في العراق ومعوقات الإبداع المعرفي أزمة سياسات لا شخصيات حقوق الانســان العراقي الحقيقة والطمـوح_برلمانيون
|