Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

 
صوتيات
معرض الصور
منتدى شعوب

قواعد الحب


العلواني لشعوب : الاحزاب السياسية تتدخل في عمل هيئة النزاهة


وزير الدولة لشؤون المحافظات :


الأكاديميون في العراق ومعوقات الإبداع المعرفي


الصحفي العراقي..كعامل البناء ..يشيد القصور ...وينام في العراء


زينة والخزينة_السيناريو الرسمي لقضية لم تنته بعد!!


المشاركة الجماهيرية في صنع القرارات


ما يحدث في العراق الان ..


Transparency Initiative in the extractive industries in Iraq


المركز العراقي للاصلاح الاقتصادي خطوة في الاتجاه الصحيح


بغداد تحتضن المعرض الدولي للاعمار والاسكان


فوضى العمل الر قابي بالحكومات المحلية


اليمين المتطرّف والأقلّيات


القاضى المستقل حسين الموسوى يتحدى المحاصصة


لقاء مع نائب الأول لمحافظ النجف رزاق شريف
 
 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اليمين المتطرّف والأقلّيات


اليمين المتطرّف والأقلّيات

اليمين المتطرّف والأقلّيات

هاشم صالح

 

في كل أمّة من الأمم يوجد شيء اسمه اليمين المتطرّف. وهذا اليمين قد يكون طائفيا أو عنصريا أو الاثنين معا. انظر مثلا إلى التنظيمات الفاشية في ألمانيا وايطاليا وسواهما أو إلى جان ماري لوبن زعيم الجبهة القومية في فرنسا. فاليمين الكاثوليكيّ المتزمّت يحبّه عموما وقلْ الأمر ذاته عن القوميين الشوفينيين الفرنسيين، فهم يصوّتون له لأنّه يضرب على وتر الغرائز التحتية والعصبيات القديمة والعنجهية الفرنسية وكره الآخرين؛ خاصة العرب والسود والمغتربين عموما. نفس الشيء ينطبق على اليمين العربيّ المتطرّف. فهو عندما يتحدّث عن الأقلّيات في مجتمعاتنا بكلّ احتقار يخيّل إليك أنّه "لوبن" يتحدّث عن المغاربة أو السود أو بقية الجاليات العربية والأجنبية في فرنسا. بل إن "لوبن" لا يتجرّأ على استخدام بعض الألفاظ الاحتقارية ضدّ الأقلّيات العرقية أو الدينية الموجودة في المجتمع الفرنسي، خوفا من أن يقع تحت طائلة القانون. فهناك قانون في فرنسا مضادّ للعنصرية والطائفية ويحاسب عليهما محاسبة صارمة. أمّا في العالم العربي فلا يوجد أيّ قانون من هذا النوع. ولذلك فإنّ الأحكام المسبقة، من عنصرية وطائفية، شائعة على كلّ شفة ولسان وتمتلئ بها الجرائد والمجلات والإذاعات، ناهيك عن الفضائيات الكبرى. ويكفي أن تختلف مع أحدهم لسبب ما ويحتدم الخلاف قليلا لكي يقذفك بتهم العنصرية أو الطائفية ويفحمك فورا أو يتغلّب عليك بالضربة القاضية إذا لم يحالفك الحظ وتولد في مناطق الأغلبيات..الأمثلة على ذلك لا تعدّ ولا تحصى.

وبعض التيارات اليمينية ذات الطابع الأصولي أو القومجي أو الاثنين معا، تعتقد أنّ الأقلّيات هي سبب كلّ المشاكل في العالم العربي. والسؤال المطروح هنا هو التالي: لو صُفّيت هذه الأقلّيات عن بكرة أبيها؛ هل ستنحلّ كلّ المشاكل دفعة واحدة يا ترى؟ لو صفينا الأكراد في المشرق والأمازيغ في المغرب كأقلّيات عرقية لغوية، هل ستنتصر القومية العربية أو هل ستتحقّق الوحدة العربية المنشودة فورا؟ ولو صفّينا المسيحيين العرب وكلّ الطوائف الشيعية والإباضية الخارجية دون استثناء، هل ستنحلّ مشاكل الإسلام مع ذاته ومع الحداثة الكونية بطرفة عين؟ من هو السبب الأساسي للجمود في الإسلام: الأقلّية أم الأكثرية؟ من هو المتشبث بالمحظورات الدينية والطقوس الشكلانية السطحية الظاهرية المرهقة؟ من هو المتشبّث بشكل حرفيّ بقشور الدين لا بجوهره الروحانيّ العميق؟ إلى من ينتمي الإخوان المسلمون أو السلفيون المتحجّرون أو بن لادن أو أيمن الظواهري أو أبو مصعب الزرقاوي أو عشرات غيرهم؟ من هو سبب صدامنا مع الشرق والغرب والعالم كله حاليا؟ من الذي شوّه صورة العربي والمسلم في شتّى أنحاء العالم؟ من الذي يعرقل حركة التاريخ العربي ويؤخّر الانطلاقة المنشودة؟

ينبغي أن نتفق على البديهيات ونطرح الأسئلة دون مراوغة ولا مواربة: من الذي يقود حركة التاريخ العربي؟ الأقلّية أم الأغلبيّة؟ فيما يخصّ العالم العربي يمكن القول بأنّ الأغلبيّة العربية الإسلامية السنية هي التي تقود الأمور. وفيما يخص العالم الإيراني يمكن القول بأنّ الأغلبيّة الفارسية الإسلامية الشيعية هي التي تقود الأمور. وإذن فالفشل التاريخي يقع على كاهل الأغلبيّة بالدرجة الأولى. المجتمع مقاد من قبل مذهب الأغلبيّة وايديولوجيتها الراسخة لا من قبل الأقلّيات، التي لا تجرؤ أحيانا على أن تفتح فمها لأنها مدانة سلفا بتهمة الهرطقة أو الزندقة او الشعوبية أو ما شئت من أسماء ومسمّيات. ولكن الشيء الذي يلاحظه علماء الاجتماع والانتربولوجيا هو أنه عندما يحصل فشل تاريخيّ لأيّ مجتمع فإنّه سرعان ما يتّهم الأقلّيات، بل يتخذها كبش فداء لكي ينتقم منها ويفش خلقه كما يقال. انه يريد أن ينتقم من الفشل والعجز عن طريق التضحية بهذه الأقلّية أو تلك. هذه ظاهرة موجودة في كل المجتمعات البشرية وليس فقط عندنا. إنها ظاهرة انتربولوجية: أي إنسانية بشرية كونية.

ولذلك فإنّي أقول للمحافظين الجدد وكلّ مثقفي اليمين العربي ما يلي: كفّوا عن اتّهام الأقلّيات للتغطية على عجزكم وقصوركم وفشلكم التاريخي أمام أروبا والغرب ككلّ. المسؤول الأوّل عن هذا الفشل هو أنتم، هو ايديولوجيتكم الخاطئة التي عفى عليها الزمن. المسؤول عن الفشل التاريخي هو ذلك الانغلاق المذهبي الذي قضى على المعتزلة والفلاسفة قضاء مبرما ونصّب نفسه على أساس أنه الإسلام الصحيح والفرقة الناجية، وقضى على التعددية الفكرية التي ميّزت الحضارة العربية الإسلامية إبان مجدها وعصرها الذهبيّ. من كفّر ابن سينا لأنّه يشرب الخمرة ويفهم الدين بشكل فلسفي عقلاني حرّ هو المسؤول عن الفشل التاريخي للعرب. من كفّر الفارابي وابن رشد وإخوان الصفاء وابن باجة والتوحيدي والمعري وأبا بكر الرازي وكلّ المفكرين الأحرار في الإسلام، هو المسؤول عن الفشل التاريخي. المسؤول عن الفشل التاريخي هو ذلك المذهب الذي انتصر واضطهد بالحديد والنار كلّ المذاهب الأخرى دون استثناء، ونصّب نفسه على أساس أنه الحقيقة المطلقة ونام على هذا الاعتقاد المطمئن والمخدر نومة أهل الكهف. فكان أن سبقنا الآخرون وتخلّفنا، ولا نزال نتخبّط ولا نعرف كيف ننطلق من جديد. وبالتالي فالتفكيك التاريخي والفلسفي أصبح يفرض نفسه علينا الآن بشكل إجباري لا مفرّ منه. نحن دخلنا في مرحلة تفكيكية لها أوّل وليس لها آخر، على الأقلّ في المدى المنظور. والتحرير الكبير لا يمكن أن يجيء إلا بعد التفكيك الكبير.

العلمانية أساس المواطنية

ينبغي العلم بأنّ أوّل مبدأ من مبادئ العلمانية وحقوق الإنسان والتشريعات الحديثة هو المساواة الكاملة بين المواطنين، بغضّ النظر عن أعراقهم وأديانهم أو حتى عدم اعتناقهم لأيّ دين أو مذهب. من حيث الحقوق المدنية، هذا هو المفهوم الحديث للمواطنية. نتحدث هنا عن مجتمعات حضارية متقدمة لا عن مجتمعات لا تزال في شرائح واسعة منها أصولية قروسطية. وهي شرائح تشمل كل الطوائف لا طائفة الأغلبيّة فقط. (التفكيك الذي أدعو إليه يشمل أيضا عقائد الأقلّيات كلها دون استثناء وليس فقط عقيدة الأغلبيّة). نحن نتحدّث عن مجتمعات محكومة من قبل الفلسفة السياسية الحديثة.

والإنسان في ظلّ فلسفة التنوير هذه قيمة بحدّ ذاتها وينبغي أن يحترم بصفته تلك سواء كان أبيض أو أسود، مسلما أو مسيحيا أو علويا أو سنّيا أو درزيا أو إباضيا الخ..لا توجد فرقة ناجية ضمن هذا المنظور. كلهم متساوون في المواطنية والحقوق أمام القانون. هذه هي دولة الحداثة التي نحلم بها لا الدولة الثيوقراطية اللاهوتية التي لا تزال تتحكم برقابنا منذ ألف سنة على الأقلّ وحتى اليوم. نحن بحاجة إلى ثورة تنويرية راديكالية تكون تمهيدا للتغيير السياسي الحقيقي القادم. والتغيير سوف يصيب هذه المرة "ثوابت الأمة ومقدّساتها" أو ما تتوهم أنه ثوابت ومقدسات أبدية سرمدية في حين أنّه فبركات تاريخية. سوف يصيبها في الصميم مثلما فعل في فرنسا وألمانيا وكلّ العالم الأوروبي المتحضر. وسوف تنهض على أنقاضها ثوابت ومقدّسات جديدة تضع كرامة الإنسان وإنسانية الإنسان فوق كلّ شيء. وسوف يكون لتراث الإسلام السمح العظيم وجه جديد آخر غير هذا الوجه الكالح الذي يسيطر علينا منذ الدخول في عصر الانحطاط قبل ألف سنة تقريبا.

 

عذاب الأقلّيات

لا ينبغي أن نستهين بعذاب الأقلّيات الدينية أو القومية العرقية على مدار التاريخ. لا ينبغي ان نحتقره كما يفعل مثقفو اليمين المتطرف العربي أو غير العربي. البعض يعتقد بأنّ كل المشاكل والهزائم ناتجة عن الأقلّيات! وانه لو حذفت أو صفيت عن بكرة أبيها لاستراح المجتمع وانحلت كل مشاكله دفعة واحدة. قد أكون أبالغ قليلا في رسم الصورة بغية توضيحها. ولكن هذا شعور موجود أو منبث بشكل سري أو علني في الجو. ينبغي العلم بأنّ التخلف العربي أو الانحطاط العربي يصيب الأقلّيات والأكثريات في آن معا ولا يوفر أحدا، وانه إذا كان هناك مسؤول أول عنه فهو الأكثرية التي حكمت وقادت المصير التاريخي على مدار القرون ما عدا فواصل قصيرة أو استثناءات محدودة. الانحطاط ابتدأ منذ السلاجقة في القرن الحادي عشر الميلادي باعتراف كل مؤرخي وفلاسفة العالم: أي قبل تسعمائة سنة. ثم تواصل بالطبع مع الإمبراطورية العثمانية التي هي امتداد مباشر لهم والتي لم تضف أي شيء جديد في مجال الإبداع العلمي أو الفلسفي أو الاكتشافات والاختراعات على عكس الحضارة العربية الإسلامية الكلاسيكية في عصرها الذهبي.

نعم إني أشعر بالقلق عندما أسمع الفضائيات الغوغائية ومثقفي التيار القومجي- الأصولي(أي العنصري-الطائفي) الذين يعكسون الأمور فتصبح الضحية هي الجلاد والجلاد التاريخيّ هو الضحية! لقد آن الأوان لتوضيح الأمور في الساحة الثقافية العربية التي تعاني من خلط وتشويش وتزييف كثير. ولكن لحسن الحظ فإنّ مجموعة من المثقفين والمثقفات أصبحوا ينبثقون هنا أو هناك في كل أقطار العرب كالمنارات المشعة. بالطبع فان معركتهم شاقة جدا وعسيرة لأن أتباع التيار العنصري الطائفي ليسوا فقط الأكثر عددا، وإنّما يتمتعون بمشروعية تاريخية لا حيلة لنا بها. الماضي معهم والمستقبل ضدهم، أمّا نحن فالمستقبل معنا والماضي السلفي الانحطاطي ضدنا. وما دام الإصلاح الديني لم يحصل بعد، والتنوير الفلسفي لم يتحقق بعد فسوف يظلون مسيطرين. وبالتالي فالمجال مفتوح أمام التنويريين العرب والمسلمين رغم كلّ شيء. ولكنهم سيخوضون معركة يشيب لهولها الولدان. فأنت لا تستطيع أن تفكك الانغلاقات المتراكمة منذ ألف سنة بدون معركة كسر عظم حقيقية.

 

فولتير والأقلّيات

لماذا أقول أحيانا بأنّه ينبغي ان نتخذ فولتير نموذجا لنا؟ لأنه لم يمض حياته في شتم الأقلّيات أو تعيير الناس بأنّهم أقليات وإنّما أمضاه في الدفاع عنها رغم أنه لم يكن منها. لقد أمضاه في إدانة التعصب الديني الأعمى للأغلبيّة الكاثوليكية التي كان ينتمي إليها أبا عن جد والتي نشأ وترعرع في أحضانها. لقد خاطر بنفسه بسبب محاربته للطائفية المسيحية لأن الأصوليين هددوه أكثر من مرة وأحيانا بشكل جدي. ولكنه نذر حياته للدفاع عن الحقيقة ومحاربة الاضطهاد والظلم من أي جهة جاء حتى ولو كان من جهة جماعته وطائفته. وهنا تكمن عظمة المثقف أصلا. التعصب سهل وقريب إلى النفس ومذاقه حلو ولكن الانتصار على التعصب في أعماق كل واحد منا هو الصعب. وبالتالي فالمثقف الحقيقي هو ذلك الذي يخوض المعركة مع عصبياته الدفينة ويواجه طائفته الخاصة بالذات ويقف في وجهها بل ويتحداها إذا لزم الأمر. انصر أخاك ظالما أو مظلوما. قال: كيف أنصره ظالما؟ قال: تردعه عن ظلمه.

وهذا ما فعله فولتير بالضبط أو حفيده سارتر في عصرنا ضد فرنسا الاستعمارية في الجزائر، الخ.. ولم تعد هناك أقلية أو أكثرية على أساس طائفي وإنّما على أساس إيديولوجي أو سياسي أو برامج سياسية وانتخابية. وأصبح البروتستانتي يقود البلاد على كافة الأصعدة والمستويات دون ان يشكك أحد في وطنيته أو مواطنيته. انظر ميشيل روكار وليونيل جوسبان وسواهما. وأوباما الذي اعتلى عرش أمريكا مؤخرا هل تعتقدون بأنّ اليمين المتطرف الأمريكي سعيد جدا بالنبأ؟ هل تعتقدون انه بلعه بسهولة؟ ولكنه ساكت على مضض لأن أغلبيّة الشعب الأمريكي أصبحت مستنيرة وضدّ العنصرية. قبل عشر سنين فقط كان الأمر صعبا جدا إن لم يكن مستحيلا. الآن أصبح ممكنا بعد أن تطورت العقليات بما فيه الكفاية وبعد أن دفع ابراهام لنكولن ومارتن لوثر كنغ وآلاف غيرهم الثمن.

 

أوباما

والاختراق التاريخي

أخيرا سوف أقول ما يلي:

 

في برنامج "نقاش" التلفزيوني الذي دعيت إليه على القناة الفرنسية الرابعة والعشرين، القسم العربي، وذلك بمناسبة تنصيب أوباما فوجئت بأنّ المدعوين اعتبروا انتخابه وكأنه شيء عاديّ! ورغم أنّ اثنين من المشاركين كانا يتحدّثان من نيويورك وواشنطن ولا بأس بحديثهما، إلا أنهما رفضا التوقّف عند ظاهرة صعود أوّل رئيس أسود على عرش الولايات المتحدة الأمريكية. فهي في نظرهم زوبعة في فنجان لا تستحقّ أكثر من تعليق بسيط على الماشي! أعتقد على العكس أنّ رمزية الحدث لا تقل خطورة وأهمية عن السياسة الفعلية التي سينتهجها أوباما. فالرجل قد ينجح أو يفشل، قد تعجبنا سياسته أو لا تعجبنا نحن العرب. ولكنها لن تكون أسوأ من سابقتها على أيّ حال. مستحيل أن تكون أسوأ من السياسة التي نظّر لها المحافظون الجدد. بل إنها ستكون أفضل دون أدنى شك لأنها تستلهم منطلقات فلسفية أخرى نظرا لأصول أوباما ليس فقط العرقية وإنّما الدينية أيضا. صحيح أنه هو شخصيا مسيحيّ بروتستانتي كأغلبيّة الأمريكان، ولكن والده حسين أوباما كان مسلما. وبالتالي فله جذور إسلامية. ثم هناك شيء واحد مؤكد: هو أنه انتهك المحرمات العنصرية التي كانت تمنع وصول شخص غير أبيض- انغلو ساكسوني- بروتستانتي إلى سدة البيت الأبيض. باراك حسين أوباما جمع في شخصه "أبشع" الصفات في نظر اليمين الغربي: فهو أسود ووالده حسين أوباما من أصل إسلامي. لا يكفيه نقيصة واحدة وإنّما جمع النقيصتين! ومع ذلك فقد استطاع اختراق الحواجز الهائلة وتحقيق المستحيل.

لماذا وضع نفسه تحت ظلّ التمثال الكبير لابراهام لنكولن؟ لأنّ هذا الأخير هو محرّر العبيد في أمريكا. فقد ألغى قانون الرقّ عام 1865، أي في منتصف القرن التاسع عشر أو بعده بقليل. ولماذا ألقى مارتن لوثر كنغ خطابه الشهير: أنا عندي حلم كبير لكم، تحت ظلّ نفس التمثال؟ لأنه أيضا كان يعرف معنى ابراهام لنكولن وعظمته في مجرى التاريخ الأمريكي. كان يريد مثل أوباما أن يضرب له التحية. وكلاهما، أي لوثر كنغ ولنكولن، اغتيل بسبب دفاعه عن الكرامة الإنسانية للأقلية السوداء المحتقرة المهانة. ابراهام لنكولن اغتيل غدرا وهو يحضر مسرحية. فقد جاءه العنصريون من خلف ظهره وأطلقوا عليه النار من مسدس. ومارتن لوثر كنغ سقط أيضا بطلقات نارية من مسدسات العنصريين وهو في الأربعين من عمره. كلاهما دفع حياته ثمنا لأفكاره ولإيمانه بالمثل العليا. وأوباما ما هو إلا الثمرة المباشرة لذلك النضال وتلك التضحيات. لولاهما لما وصل إلى ما وصل إليه.

ماذا نستنتج من كل هذا؟ شيئا عظيما ومهما جدا ألا وهو: أنّ التقدّم ممكن في التاريخ. نستنتج أن البشرية قابلة للتحسن والتطور وتجاوز عصبياتها العنصرية والطائفية. نستنتج أن القيم الروحية والإنسانية العليا هي التي تنتصر في نهاية المطاف ومهما طال الزمن. نستنتج أن التغلب على العصبيات الغرائزية الضيقة الكامنة في أعماق كلّ واحد منا شيء ممكن. وهذا ما أدعوه بالمعركة الشرسة مع الذات، بالانتصار على الذات. صحيح أنها عملية صعبة جدا وشاقة ومرهقة لأنك عندئذ تدخل في صراع مع نفسك، مع حميميتك، مع أعز ما عندك، لا مع عدو خارجي. ولكن الأمريكان نجحوا في هذا الامتحان العسير وانتصروا على عنصريتهم الدفينة، وقبلوا بأنّ يترأسهم شخص أسود. ثم قبلوا بأنّ تكون سيدة الأولى امرأة سوداء ولمدة أربع سنوات وربما أكثر. صحيح أنها مثقفة وجميلة ومحترمة ولكنها سوداء. وهي التي ستكون وجه أمريكا أمام العالم كله الآن. انتهى عهد لورا بوش البيضاء الشقراء. أليس ذلك رائعا؟ ألا يستحق التنويه والتوقف عنده قليلا؟ ألا يملأ القلب بالفرح والثقة بمستقبل البشرية؟ لذلك قلت وأقول وأكرر القول: برافو للشعب الأمريكي! مبروك له رئيسه الجديد. وهنيئا له هذا الانتصار على الذات!

 

هذا من حيث الشكل الذي هو في رأيي أهمّ هنا من كلّ مضمون. أما من حيث المضمون السياسي، فأعتقد أن أوباما ينبغي أن يستمدّ فلسفته السياسية من ريتشارد بولييت أستاذ التاريخ والعلوم السياسية في جامعة كولومبيا بنيويورك، والعدو اللدود لصموئيل هانتنغتون وبرنارد لويس، وكل غربان صدام الحضارات الذين هيمنوا على عهد بوش. وربما لم يكن موت هانتنغتون قبيل استلام أوباما للسلطة بأيام قلائل إلا إشارة رمزية على موت حقبة بأسرها. ماذا يقول بولييت؟ باختصار شديد ما يلي: هناك جذور حضارية مشتركة للغرب والعرب المسلمين على الرغم من العلاقات الصراعية التي تحكمت بهم غالبا على مدار التاريخ. بل ويصل به الأمر إلى حد القول بأنّهما فرعان أو غصنان من حضارة واحدة: هي الحضارة الإسلامية- المسيحية التي سيطرت على حوض البحر الأبيض المتوسط! شيء مدهش أن يقول ذلك، ولا يكاد يصدق. ثم يقول بأنّ الإسلام الذي يرافق التاريخ الحديث للعالم العربي هو إسلام تعدّدي وتقدّمي عموما، وأن المتزمتين فيه لا يشكلون الأغلبيّة على الإطلاق وإنّما الأقلّية. وذلك على عكس ما تزعمه وسائل الإعلام الغربية. وبالتالي فالتعايش ممكن جدا بين عالم الغرب وعالم العرب والإسلام وليس هناك أي معنى، ولا أي مستقبل، لنظرية صدام الحضارات. لا ريب في أن الإسلام بحاجة إلى إصلاح كبير كما حصل للمسيحية الأوروبية سابقا. ولكن هذا الإصلاح قادم. والعالم العربي أو الإسلامي سوف يفرز في السنوات القادمة الشخصيات الكبرى القادرة على أن تحقق هذه الطفرة أو القفزة النوعية. هنا نقول أيضا برافو لأستاذ جامعة كولومبيا بنيويورك! فليستلهم منه الرئيس أوباما إذن الخطوط العريضة لسياسته، ولينْسَ برنارد لويس وصموئيل هانتنغتون والمحافظين الجدد. ولكن هل هو بحاجة إلى هذه النصيحة يا ترى؟


مواضيع ذات صلة
امبريالية خليجية !!!!
ترشيق الحقائب الوزارية وتعزيز البطاقة التموينية
الأكاديميون في العراق ومعوقات الإبداع المعرفي
أزمة سياسات لا شخصيات
حقوق الانســان العراقي الحقيقة والطمـوح_برلمانيون
الديمقراطية خارج البلاغة داخل الواقع
الديمقراطية خارج البلاغة داخل الواقع
من يتحدث عن الديمقراطية لابد ان يتحدث عن فلسفة تملك شبكة واسعة من العلاقات بين القانون والثقافة، وبين الحقوق والحريات والمبادئ الدستورية ... التفاصيل
المعهد العراقي للطاقةالمعهد العراقي للطاقة
الجغرافية الاقتصادية -جنوب افريقيا
الارجنتين
فقيد الاثار والحضارةفقيد الاثار والحضارة
رحيل عالم من بلاد الرافدين
دوني جورج_حامي الاثار العراقية
المخزومي.. حياة وانجازات

الملف الصعب


العوادي : خدمات الهاتف النقال سيئة وتسبب بسرقة أموال العراقيين


مقرر حقوق الإنسان في العراق وسفير السلام العالمي الناشط العراقي المستقل


مفتشون عموميون لـ


مجلة شعوب العدد37


نائب يدعو الى استئناف تعديل الدستور


مجلس القضاء الاعلى : 9157 موقوف في جميع انحاء العراق


ترشيق الحقائب الوزارية وتعزيز البطاقة التموينية


أزمة سياسات لا شخصيات


قراءة في كتاب_التغير الديمقراطي