متنزهات بغداد



متنزهات بغداد

الترويح قيمة اجتماعية وضرورة اخلاقية

                                                              تحسين الهاشمي

 

     يخبرنا تاريخ الانسان المكتوب ان مدنياته وحضاراته كانت تقام قريبا من شواطئ الانهار وحتى في الواحات داخل الصحراء . ان الماء والخضراء رمز للحياة . ويخرج هذا الامر من بداهته الى التحسين والتطوير عندما يحاول الانسان الخروج من الضجر والملل الى رحاب السعادة والتمتع بنعم الله . وفي كل ادبيات وملاحم واشعار مختلف الثقافات والشعوب نجد تلميحا وتصريحا الحض على فكرة الترويح عن النفس وقضاء الاوقات الطيبة والسعيدة وخاصة تلك التي تتميز بالجماعية والتي تضفي عليها جمالية ورونقا اكثر مما لو كانت فردية او اسرية محضة . واريد هنا الحديث عن تجربة المتنزهات والاماكن الترويحية في بغداد العاصمة والتي شاهدها كثير منا وعاش ايامها الجميلة والسعيدة والتي نامل من الله تعالى ان يبدلنا باحسن منها بعد ان ازاح عنا غمة وكابوس النظام البائد . ابتداءا من اواسط الاربعينيات وحتى الثمانينيات توزعت الاماكن الترفيهية العامة على مناطق شواطئ دجلة من الكاظمية حتى جزيرة ام الخنازير . فعلى امتداد هذا الشاطئ تاتي الحدائق الغناء التي تجاور المرقد الكاظميني المقدس ثم ما يسمى اليوم بكورنيش الاعظمية وصولا الى ابي نؤاس حتى تخوم منطقة الدورة الحالية وما بعدها في جزيرة ام الخنازير . الا ان الكثافة التي تمثلها زحف العوائل العراقية على هذه المتنزهات تنحصر في حدائق الكاظمية المقدسة وكورنيش الاعظمية واكثر منهما معا حدائق ابي نؤاس التي تمتد من جسر الجمهورية حتى بيوت الطاقة الشمسية الحديثة الواقعة منتصف المسافة بين فندق عشتار الحالي والجسر المعلق . وفي داخل المدينة وقريبا من شاطئ دجلة تتوزع امسيات العوائل العراقية حول منطقة " بارك السعدون " القريبة من ساحة الاندلس الحالية وحديقة الامة التي ما تزال محتفظة باسمها حتى اليوم وواجهتها نصب الحرية وساحة السباع في منطقة الكفاح الحالية ثم اضيف اليها الانجاز الكبير بحدائق قناة الجيش الغناء التي مثلت انجازا كبيرا للمدنية العراقية ولقيم الترويح البرئ والسعيد .

           كانت مدينة بغداد تصارع تاريخا من الانقسام العثماني الكريه فبدت عليها عوامل الانسجام والتناسق واضحة وكانها جزء من رغبتها في تعويض ما فات على العراقيين من ظروف التوافق والتحابب والترويح . فقد كانت العائلات تخرج في امسياتها " الصيفية خاصة " الى حدائق ابي نؤاس حيث المتنزهات الواسعة الجميلة والمجانية وما تحويه هذه المتنزهات من كازينوهات للعوائل المعزولة عن كازينوهات الافراد . وكان الكثير من هذه العوائل يؤم دور السينما حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل . اذ ان نظام المشاهدة في السينما العراقفية كان يتبع نظام الادوار . والادوار هي اوقات العراض السينمائي التي يعرفها المشاهدون والمدمنون جيدا . تبتدئ بعض الصالات بدور التاسعة فيما تبتدئ اخرى دور الحادية عشرة صباحا  فالواحدة ظهرا فالرابعة عصرا فالسابعة مساءا فالتاسعة ليلا فالحادية عشر قبل منتصف الليل حتى الواحدة بعد منتصف الليل . كان الاحترام هو المظهر الطاغي والمضمون العام في الحياة الاجتماعية قبل ان تبدا أخلاق السياسين في السلطة بث سمومهما في الاخلاق العراقية والمجتمع العراقي . فلم تكن بارزة او ذات شان ظاهرة التحرش او الكلمات البذيئة الموجودة هذه الايام بفعل سياسات النظام البائد وعبثه بالحياة الاجتماعية العراقية . كانت رائحة السمك المسقوف في ابي نؤاس مميزة ومنظر الشواء والدخان المتصاعد اسفل الطبقات التي ينحسر عنها دجلة اليفة ومعتادة لكنها كما في كل تاريخ العراق الصعب عصية على الفقراء الذين لا يستطيعون تناول وجبة من السمك في هذه الاماكن بسهولة . فقد كانت اغلب العوائل القادمة الى ابي نؤاس تجلب معها طعامها وقناني من " الشربت " قبل ان يدهم الجميع نظام " الفلافل " الذي اوجد شرخا في بطون العراقيين وجهازهم الهضمي حتى اليوم . ومن المعتاد ان يبدو ابو نؤاس مقفرا قليل الحركة في العاشر من محرم وفي الاربعين من استشهاد الامام الحسين عليه السلام الذي يوحد كل العراقيين حتى الذين ادمنوا الخمر . فكان ابو سامي المسيحي الذي لا يفارق الخمر يتبتل ويبكي بحرقة في العاشر من محرم وفي الاربعين وشاهدت بعيني وعشت لحظات الملابس السوداء التي ترتديها زوجته وكبرى بناته ايام عاشوراء في منطقة البتاويين وامام متجره الذي يقابل جسر الجمهورية تماما . اما حديقة الامة فلا يمكن وصفها هذه الايام لدى الجيل الذي لم يرها في ستينيات القرن الماضي . ان تخيل هذه الحديقة لابد ان يحيل ناظرها او متذكرها الى اجواء العواصم الغربية في احتفائها بالطفولة والجمال والخضرة والمياه . يؤطر الحديقة اشجار كبيرة من اليوكالبتوس واسفل هذه الاشجار اسيجة من الاس المرتب والذي يسهر عليه عمال يشذبونه يوميا ويرشون عليه الماء . وفي المنتصف من الحديقة تبرز بحيرة صناعية تتلالا في الليل بمجموعة من الاضوية التي تنير داخل المياه وعلى الجسور الموصلة بين البحيرة الصغيرة يتزاحم الاطفال حول اسراب من البط الملون الذي يسبح ويخرج اصواتا للاطفال الذين يلقون اليه بحبات من " الشامية " . ولمن لا يملك ثمن" الشامية " فان بقايا الطعام التي بحوزة هؤلاء الاطفال او ذويهم كافية لاثارة اهتمام البط وتحديد حركته . وفي بارك السعدون تنتظم العوائل العراقية بعد صلاة المغرب في مجموعات صغيرة حول الاشجار الكثيفة والعشب الاخضر الممتد من منطقة البريد المركزي القديم حتى البنايات التي اتخذها النظام المقبور مديرية للامن العامة بعد ذلك . ويحرص الاهالي في ايام الامتحانات النهائية على تقليل حضورهم لهذه الحدائق التي تشهد ايام الامتحانات اقبالا غير معتاد للطلبة والشباب الذين يثير منظرهم مع الكتاب والمذاكرة عواطف البيوت القريبة من " البارك " فيقومون باعداد الشاي والمرطبات والماء البارد وبعض الطعام الى مجاميع الطلبة المنهمكين . لقد عاثت السياسة في هذه التجمعات الاليفة لكنها فشلت في ان تخترقها كما اخترقتها  السلطة بعد عام 1968 وبالذات بعد عام 1979 .

      اما قناة الجيش فقد كانت متعة حقيقية للمارين عرضا او المستريحين على ارائك متباعدة وضعت فيها او القاصدين للدراسة من الطلبة والذين غالبا ما يجدون انفسهم مندفعين للسباحة في المياه الجميلة النظيفة للقناة والتي يتم كريها وتنظيفها بين فترة واخرى . كان منظر الاشجار مهيبا وكثيفا ياخذ بالالباب من صدر القناة حتى جسر ديالى . لقد تعامل الناس باحترام فرضته قوانين البداهة فعندما يكون المكان نظيفا ويحترم زائريه ورواده فان هؤلاء انفسهم يبدون من الاحترام ما يماثله او يزيد عليه . وحالما امسك المنفلتون بالسلطة وضعوا لافتات كبيرة في واجهة الاماكن السياحية : " احترم تحترم " . لقد اغتالوا براءة السياحة والترويح في العراق وشيئا فشيئاتحولت اماكن السياحة والترويح في البلاد الى مراتع اما لعسس السلطة وعيونها او لازلامها الذين تفننوا في ظواهر " الحرشة " واستفزاز العوائل وانتهاك حرمات الناس . بعد سقوط النظام صحا العراقيون على منظر مفزع اذ لا مكان يؤويهم ترويحيا وجماليا بعد ان ضاعت حدائق بيوتهم بفعل البناء العشوائي وقد اصبح متنزه الزوراء ذو سمعة سيئة لدى العوائل العراقية التي تتجنب الذهاب اليه . وبعد التعمير الذي تم في ابي نؤاس شكل الامن هاجسا يمنع هذه العوائل من الذهاب الى اماكن الترويح والاستمتاع البرئ والضروري للوقت والحياة .

واعتقد من الاقتراحات التي اجدها ضرورية بهذا الصدد هو اقامة متنزهات كبيرة جدا وسياحية وتتوفر فيها كل مستلزمات السياحة والاستمتاع وذلك في المدن التي يؤمها ملايين العراقيين والعرب والمسلمين . ام مدنا مثل سامراء والنجف وكربلاء يمكن لها ان تشكل مدنا للجمال والخضرة جوار المراقد المقدسة التي يعتبر المسلمون زيارتها والحج اليها جزءا من سعادتهم وتفريجا عن همومهم وكروبهم . كما اعتقد ان ظروف الامن التي تتمتع بها مدينةالنجف وكربلاء المقدستين خليقتان بان تدخل شركات اجنبية المنافسة على اقامة هذه الحدائق الغناء بالمواصفات التي تحفظ قدسية المكان وجمالياته وتخلق نوعا من اواصر المحبة والالفة بالمكان . وتشكل المطارات الانيقة والسريعة جزءا من الخدمة التي يفترض ان تتوفر في هذه المدن وبما يخص العاصمة بغداد فان مترو العاصمة لم يعد ترفا بل ضرورة يفرضها توسع المدينة الكبير وشدة الزحام وصعوبة التنقل بين شوارع لم تتطور او تتسع منذ اكثر من ثلاثين سنة تضاعفت خلالها اعداد السكان والسيارات اضعافا مضاعفة . وفي صيف بغداد اللاهب والقاسي لماذا لا يبدار القطاع الخاص الى اقامة مسابح تتوفر فيها شروط السلامة الاخلاقية والصحية وكذلك صالات التزلج على الجليد والتي تستغرق الاطفال والشباب والمراهقين في عوالم من السعادة والمرح البرئ الذي يبعدهم عن مسببات التلوث الاخلاقي المخيف الذي يلف العالم وبالذات على اجنحة التلفزيون والانترنت .