كل ما يعرف يقال



        اكثر المشروعات تعرضا للفشل تلك التي تحول الى مشاع يستطيع اي كان ان يؤثر في تشكيلها وتوجيهها في النهاية . وامر بالغ الحراجة ان يتحول المشروع الوطني العراقي الى مشاع يمكن ان تشكله دول الاقليم او صندوق النقد الدولي او المخيال الرمزي التاريخي او الضمور المريع للشعب كمقولة قانونية واخلاقية واضحة وملتزمة . ان هذه الممالات الكئيبة ما تزال هي الموجه "الغامض" لما يدور ويجري في الكواليس والعلن . اما الكواليس فانها تتكامل جوهريا مع موضوعة المشاع الذي يعانيه المشروع الوطني العراقي اذ ينقلب الفاعل السياسي " العراقي وغيره " الى حاو يملك وجهين . الاول سري يمثل حقيقة الرجل ومرجعياته " وحزمة " النوايا التي توجه سلوكه تجاه العراق . والثاني الوجه البروتوكولي الذي يكثر من الابتسام ويستخدم لغة محنطة باردة وسطية لا تدل على شئ ولا تفصح عن معنى ولا تكشف عن غموض . ان تهرؤ اللغة السياسية في العراق ناتج عن العلل المستديمة في المشروع الوطني العراقي . ان عبارة المشروع الوطني العراقي لم تعد تملك دفاعات ذاتية تستطيع خلالها احراج من يناور " بمقدساتها " وخطوطها الحمراء اذ لم يعد لديها هذه الخطوط الحمراء اصلا . فيستطيع اي كان من المراقبين " والفطاحل " الجدد من المحللين السياسيين ان يلقي على مسامع الناس كلائش لغوية حول هذا الاجتماع او ذاك المؤتمر او تلك الكتلة . لقد تجمد الاداء اللغوي عند حدود العجز الذي شل قدرة المشروع الوطني العرقي على فرز القوى الاجتماعية الحاملة له والمدافعة عن مضامينه العامة . بيد ان الجسم الاجتماعي يملك دفاعات مثل الجسم الطبيعي . فعندما يتعرض الجسم الطبيعي لاي طارئ يدخل في انذار حيث تتصل انظمة الكريات البيضاء للدفاع وتدخل من الغدد الصماء سوائل تهدئ الالام الناتجة عن هذا الطارئ . فيسهر الجسم دفاعا عن احد اعضائه او عن سلامته الكلية يتداعى بالسهر والحمى كما اخبر عن ذلك  النبي صلى الله عليه واله وسلم . اما الجسم الاجتماعي فان دفاعاته الرئيسة في اوقات الخطر والمشاع والتخثر اللغوي هي الثقافة الناقدة . وليس مهما ان نصف تبديات هذه الثقافة وطرائق عملها . فهي شاملة طالما تتعلق بمضمون النظرة للعالم وطريقة التعاطي مع الحدث . وتمتد هذه الثقافة من الماثورات الشفاهية الى اعقد التجريدات النظرية في علوم الفلسفة والاجتماع مرورا بالثقافة الدينية والادبية .. الخ . يمثل جهاز المناعة الثقافي الحصن الاكثر قدرة في الدفاع عن المشروع الوطني العراقي بشرط ان تكون لهذه لثقافة القدرة على ملامسة الوقائع والامكانية على طرح البدائل . فاذا توفر العقل الثقافي على هذين الشرطين فان صناعته لحصن المشروع الوطني يغدو حقيقيا ومثمرا . ان اغلب التجارب التاريخية تؤكد هذا المعنى .

         والسؤال : هل بامكان الثقافة العراقية والعقل الثقافي العراقي تجاوز قصوره التاريخي في هذه اللحظات الفاصلة بنيويا وموازنة المعادلة المختلة ؟ . لا يمكن الاجابة عن هذا السؤال باستنطاق فرد او منتج او اديب او مفكر . فالسؤال مركب من التاريخ " وليس الماضي " وتفاعلات الحاضر وامكانية رؤية المستقبل . ان الشعوب التي تفتقر الى عقل بهذا المستوى تنقرض او تكاد . تتحول الشعوب في ظل الثقافة المتسيبة غير القادرة على دمج الفرد بمشروع انتاجي واخلاقي الى فولكلور على شاشة الامم والتاريخ . وفي احسن الاحوال الى مادة للحروب الاهلية او الاستثمار الخارجي والذي قد يكون " استعمارا " او الحاقا او تبعية . ويصل مد الانقراض لدى هذه الشعوب اقصاه وفي اعمق نقطة من نقاطه العدمية يتحول الاستعمار الى مطلب تختلف على تسميته القوى الاجتماعية لكنها تتفق جميعا في النهاية " وفي الكواليس " على الحاجة اليه .

        انها مسيرة زمن الانقراض العدمي لكنها في احوالنا قد استمرت طويلا .