
التاريخ ليس الاثار فهذه الاخيرة قد تكون علامات صماء على تاريخ لا يمتلك حضورا في ذاكرة ابنائه . ان هذا الحضور للتاريخ هو الذي تتحدث عنه السجاليات العراقية اليوم وهو ليس سوى : الامة العراقية . فهذه الامة الممتدة لالاف السنين احتضنت حضارات الانسان وابدعت شرائع وفنونا وقضاءا ونظرية في العدل ما يجعل منها بالفعل امة من الامم النادرة المستمرة في التاريخ . لقد ادرك هذه الحقيقة وعمل على ازالة الغبار عنها رجال يقبعون في الظل اجتماعيا وسياسيا لكنهم يمثلون هذا الجسر للذاكرة العراقية كي تتحول الى تاريخ للامة يمكنه التواصل مع الدولة الحديثة حتى تغادر غربتها وانقطاعها عن الامة . لقد تحول الغبار الذي يعلو الحضارات العراقية الى سبيكة طينية على يد واحد من هذا الرعيل الذي رات عيناه عمق الامة العراقية وينابيعها الابداعية . والعلامة طه باقر احد الجسور الذهبية " الصامتة المتواضعة التي رات وعملت على اقامة هذه الجسور الذهبية بين الامة والدولة .
شهدت الفترة الاولى من تكون الدولة العراقية ظاهرة فريدة في مجال التاسيس المعرفي . لقد برزت نخبة من المؤسسين تركت بصماتها واضحة على كل المجالات التي عملت فيها . ينتمي الى هذه النخبة شخصيات مثل العلامة طه باقر والدكتور جواد علي في التاريخ ومصطفى جواد في اللغة وعلي الوردي وعبد الجليل الطاهر في علم الاجتماع وعبد الجبار عبد الله وبشير اللوس في العلوم الفيزيقة الطبيعية وغيرهم الكثير . ان السمة المميزة لعمل وانتاج هذه النخبة هو التاسيس لمدارس عراقية في العلوم التي عملوا فيها .
وحتى العلوم الطبيعة وجدت على يد هذه النخبة فسحة كي تعبر عن هوية وطنية . هكذا فعل الدكتور عبد الجبار عبد الله عالم الفيزياء الشهير " الصابئي " الذي تراس جامعة بغداد وعمل بالتعاون مع العلامة طه باقر على وضع هذه الجامعة حينها في مصاف الجامعات العالمية الكبرى . وكذلك فعل بشير اللوس في كتاباته عن الطيور العراقية والتي ما تزال حتى الان المرجع العلمي الرصين في هذا المبحث رغم مرور اكثر من نصف قرن على تاليفه .
لقد ارتبطت اعمال هذا الجيل التاسيسي باعادة الصلة للذاكرة العراقية بتاريخها القديم . ان ذلك يعني البحث عن الامة العراقية لعقد الصلة الضرورية بينها وبين الدولة الناشئة . وبسبب ذلك جاءت اعمالهم تاسيسية من ناحيتين الاولى نظرية تتعلق بتاصيل واسع ومكثف ومبسط لاساسيات العلوم والمعارف التي عملوا فيها . والثاني تطبيقي يخص تفريعات هذه العلوم وتطبيقاتها على البيئة والمجتمع العراقيين . وتنطبق هذه القاعدة على جميع اعمال الرواد في العلوم والفنون والاداب .
اسفار وابحاث
يعد طه باقر ( 1921 –1984 ) من المع العاملين في مجال ترميم الذاكرة العراقية وصلتها بتاريخها الحيوي المتحرك الحي والمنتج . عمل العلامة باقر في مجال التاريخ القديم وعلى الاخص تاريخ العراق . لقد سكن مزاج ومشاغل العلامة طه باقر اعادة صورة الجماعة العراقية المنتجة والجدية في تفاعلها القديم مع بيئتها الطبيعية والاجتماعية . لقد كانت الدولة العراقية الحديثة والتي عاش بداياتها وفتوتها العلامة مدعاة للنظر في تاريخ هذا الانسان العراقي وكيف ابدع المع حضارات العالم القديم قبل وقوعه في براثن التخلف والانحطاط العثماني . لقد ربط العلامة باقر بين التاريخ وعلم الاثار ربطا وظيفيا . فالاثار لدى باقر ليست حجرا اصم يؤرخ لازمان جامدة ومعزولة . انه تعبير متحرك عن واقع بحاجة دائما الى اغناء مضامينه الانسانية بالكشف والتنقيب عن امكانات الانسان العراقي وقجراته الابداعية .
ومثلما اسس الفرنسيون علوم التاريخ والاثار في مصر كذلك فعل الانكليز والفرنسيون ايضا في مجال الاثار العراقية . ولابد من ذكر حقيقة للتاريخ وهي التنويه بجهود العاملين بالاثار من الاجانب الذين حفزوا ونبهوا بلداننا على الاهتما بتاريخها القديم . الا ان ذلك لا ينفي جملة من السلبيات التي فطن اليها العلامة باقر في عمل هؤلاء . فبالاضافة الى اعمال القرصنة والتهريب التي قام بها بعض من العاملين في هذا المجال فان نظرتهم الى التاريخ العراقي وقراءته باثاره لا تلائم المعنى الذي يبغيه المؤسسون العراقيون للتواصل مع حضاراتهم الاولى . وفي اول انطلاقته تحدث العلامة باقر عن " نحن العراقيين علينا ان نكتشف تاريخنا بجهدنا ودماغنا والمنطق الذي نحمله " .
درس باقر في بداياته الاولى في فلسطين " قبل احتلالها " ثم في الولايات المتحدة الاميركية . وعند عودته الى بغداد ساهم بقوة في تاسيس مجتمع المعرفة التاريخي والاثار العراقي . لقد كانت التربية الاسرية للعلامة باقر تشكل جزءا من شغفه بالتاريخ فهو سليل الامام زيد الشهيد ابن علي ابن الحسين ابن علي ابن ابي طالب عليهم السلام . وكان اعتمر العمامة السوداء عندما درس علوم العربية التقليدية والفقه الاسلامي في طفولته . وقد تخرج من الثانوية المركزية في بغداد عام 1932 . وكان من الاربعة الاوائل على الثانويات العراقية وقد اقترن بالسيدة زوجته ايام الدراسة الثانوية وقد بقيت علاقة الاحترام والحب والرعاية حتى ايامهم الاخيرة . وقد ترشح ضمن بعثة للدراسة في كلية صفد الفلسطينية ثم جامعة بيروت الاميركية عام 1933 وقد اعتبرت هذه الدراسة تحضيرية سافر بعدها برفقة الاستاذ فؤاد سفر لدراسة الاثار وتاريخ اللغات القديمة في المعهد الشرقي بجامعة شيكاغو فنال البكالوريوس والماجستير بامتياز عام 1938 . لقد درس في هذه المرحلة اللغات التي كتبت بالخط المسماري " السومرية والاكدية " واللغة العربية . يتحدث كوركيس عواد عن علاقته بالعلامة باقر " حين عاد سنة 1938 من اميركا كنت يومذاك امينا لمكتبة المتحف العراقي فوجدت فيه مطالعا غريبا لا اغالي في القول انه اصدق اصدقاء المكتبة حيث اطلع على الكثير مما زخرت به امهات الكتب والمجلات الاجنبية المتصلة بعلم الاثار " .
تاريخ الحضارات القديمة
تعد موسوعة تاريخ الحضارات القديمة بجزئيه من اهم المحطات العلمية في تاريخ العلامة باقر . صدر الكتاب بمجلدين عام 1951 وقد اختص الجزء الاول منه بتاريخ العراق وحضارته منذ اقدم العصور الحجرية حتى اواخر ايام الدولة البابلية الحديثة عام 536 ق . م . فيما يتعلق الجزء الثاني بحضارة وتاريخ وادي النيل وجزيرة العرب والشام . ويعد الكتاب بمجلديه من اهم المصادر العالمية التي كتبت في الموضوع ولم ينافسه أي كتاب اخر في هذا المجال حتى الان وقد اعيد طبعه اكثر من عشر مرات وما يزال مطلوبا من القراء والمختصين حتى الان ومقررا في اغلب الجامعات العربية وبعض العالمية ويشكل مرجعا لا غنى عنه للقارئ العام والمختص وطلبة الدراسات العليا واساتذة التاريخ والاثار .
كلكامش
في عام 1962 اصدر العلامة باقر كتابا شكل هاجسا معرفيا ونفسيا له . هذا الكتاب هو ملحمة كلكامش الي طبع اكثر من ست طبعات وما يزال حتى اليوم يحظى بالقراءة والاقبال والترجمة . لقد اتحف العلامة باقر المكتبة العربية في ترجمته وتحقيقه لهذه الملحمة الفريدة في تاريخ الحضارات القديمة . لقد قدم باقر كلكامش الى الثقافة العالمية وفرضه بقوة منذ صدور هذا الكتاب حتى غدا بعد ذلك شخصية حاضرة في الاداب والفنون والخيال الشعبي .
مجلة سومر
اثمرت جهود وتنظيمات وخطط العلامة باقر والمنسجمة مع التنظيمات الادارية الباحثة عن الكفاءة والموهبة تلك الايام عن صدور ارفع مجلة في التاريخ والاثار هي مجلة سومر . لقد حظيت هذه المجلة باهتمام كل المختصين بالاثار على رقعة الوطن العربي والعالم وقد صدرت فصلية بانتظام رصينة في موادها عميقة في تناولها عراقية في همومها ومشاغلها . وبقي العلامة باقر ينشر في هذه المجلة حتى وفاته . وفي كل دراسة من دراساته جهد علمي يتلقفه المختصون وعامة القراء بشكل يشيع اجواء المعرفة الحقيقية وكيفية تحقيقها للذات والمجتمع .
عمل العلامة باقر في ليبيا لمدة اربع سنوات تقريبا احدث هاك " ثورة حقيقية " في اكتشاف الليبيين لعلم الاثار والتاريخ واسس تاسيسا حقيقيا في الجامعات الليبية ومراكز البحوث . وعين عام 71 عضوا عاملا في المجمع العلمي العراقي . كما قام العلامة باقر وابتداءا من عام 1941 بترؤس الهيئات الاثرية للتنقيب عن عدة مواقع في مختلف انحاء العراق " واسط – تل الدير – عكركوف – تل حرمل – الضباعي – اور – دوكان " . وللعلامة باقر كتب اخرى عديدة غير التي اشرنا اليها اهمها " المرشد الى مواطن الاثار والحضارة " ستة اجزاء و " مقدمة في ادب العراق القديم " و " موجز في تاريخ العلوم والمعارف في الحضارات القديمة والحضارات الاسلامية " و " من تراثنا اللغوي القديم وما يسمى بالعربية بالدخيل " ولهذا الكتاب قصة طريفة اذ يرد فيه العلامة باقر على عجز المعجميين العرب عندما تعوزهم الحيلة في اثبات اصل او جذر بعض الكلمات والمصطلحات فيردوها نتيجة لهذا العجز الى الدخالة او العجمة . لقد اثبت العلامة باقر اصل هذه الكلمات والمصطلحات السومري والاكدي وبعضها شائع في اللغة العامية العراقية سيما في الجنوب العراقي . كما ساهم العلامة باقر في ترجمة الكتب التي تؤهل طلبة الدراسات العليا للبحث والتنقيب ومنها " بحث في التاريخ " للمؤرخ البريطاني الشهير ارنولد توينبي وكتاب " الواح سومر " الشهير لنوح كريمر وكتاب " الرافدان " و " الانسان في فجر حياته " اضافة الى ترجمته فصول من كتاب " تاريخ العلم " لجورج سارتون .
عبد الكريم قاسم
بروحه الابوية ورعايته للمواهب العراقية عرض الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم منصب وزارة التربية على العلامة باقر وكان عبد الكريم قاسم قد اوكل ادارة جامعة بغداد الى عالم الفيزياء العراقي الصابئي الشهير الدكتور عبد الجبار عبد الله . وقد رفض العلامة باقر طلب الزعيم قاسم باجابته " الاثار افضل من الوزارة " فعينه الزعيم قاسم مديرا عاما للاثار حتى عام 1963 عندما سجنته سلطة الانقلاب الغادر الاولى بتهمة " الشغف بعبد الكريم قاسم " . لقد تحدى العلامة سلطة اانقلابيين الكريهة ولم ينكر محبته و " شغفه " بالزعيم قاسم امام هيئات التحقيق. وكان قد قدم بعد ذلك طلبا لتاسيس حزب باسم الحزب الجمهوري مع الجواهري وعبد الحليم كاشف الغطاء . ولم يكن باقر شيوعيا رغم تاثره بافكار العدالة الاجتماعية التي ادعاها اليسار .
خاتمة
ما تزال مؤلفات وجمل وافكار العلامة باقر تسير بيننا حية . وترجماته ودليله الى مواقع الاثار العراقية لم يضف اليها احد شيئا جديدا يضارعها او يتفوق عليها .ومثل كل ميادين الابداع والعمل العراقي افتقدت جهود العلامة باقر الى من يراكمها ويحولها الى مدرسة . ان مدرسة التاريخ والاثار العراقية ما تزال بانتظار طلبة ومحبي العلامة باقر كي يمارسوا لعبة عشق الطين .