كردستان ... بين الواقع والامال
د. هديل حسين
في ايام الانتظار العراقي ترنو انظار الناس نحو التجارب التي يمكن ان تشكل قاعدة النهوض العراقي الجديد . ويتداول العراقيون بطريقة مرتبكة يوميا وبجدلياتهم المتصاعدة مصطلحات مثل العملية السياسية وعلاقة المثقف بالسلطة وكردستان والفيدرالية وغيرها . وتمثل هذه التجارب خلاصة التحديات التي يواجهها العقل والضمير العراقيين في المسير نحو التحقق والتكامل . وعندما " استقلت " كردستان عن السلطة المركزية الغاشمة عام 1991 مثلت لاغلب العراقيين مخزونا احتياطيا للامال وللتغيير في المستقبل . وشهدت الفترة الممتدة من 1991 حتى سقوط النظام السابق الكثير من عمليات المشاركة بين كردستان وقوى المعارضة الوطنية من مختلف الاتجاهات والتيارات . وفي حينها انتعشت الامال بامكان اقامة مجتمع تعددي عراقي على انقاض التجربة الشمولية التي خذلت طموحات وامال الشعب العراقي في الازدهار والنمو . ورغم اجواء الترقب والقلق التي سيطرت على مشاعر وتصورات الاطارف بعد سقوط النظام استطاعت كردستان ان تخطو خطوات مهمة في سبيل ترسيخ بنية تحتية للمجتمع العراقي في كردستان فعمدت الى ابرام صفقات نفطية وقد اختلفت في تاويل ذلك قانونيا مع السلطة المركزية في بغداد . اما في الجوانب الاخرى غير الخاضعة للتاويل مثل التعليم والخدمات الاساسية والصحة والسياحة فقد تم انجاز الكثير من المشاريع الطموحة التي تشكل منطلقا لبناءات اكبر واهم . الا ان مبعث القلق ليس متعلقا بالاحترازات الامنية المشددة هناك. لقد اتجهت احلام الشباب العراقي الى شمال وطنهم اما للاستجمام في ظروف الصيف في مصائف الشمال الجميلة او للخلاص من نير الارهاب الذي ضرب المدن العراقية والعاصمة بغداد تحديدا . بقيت الاجراءات الامنية تنحو منحى تشددا جعلت هذه الثنائية التي ذكرناها محورا لتقولات ولمخاوف ولاحاديث ليست مناسبة في توقيتها ولا في وجهتها . فعلى العقل السياسي في كدرستان ان يدرك ان الوجهة الضرورية واللازمة لمشاعر العراقيين ازاء مواطنيهم واخوتهم في اقليم كردستان ان تتصف بتفعيل ومد جسور الثقة وتنمية كل صلات التعاون والفائدة والاستثمار الاقتصادي واقامة المشاريع المشتركة .. الخ .
لقد اثبتت تجارب التاريخ ان عوامل الثقة بين المكونات الوطنية هي الاكثر رسوخا في ادامة عمليات التنمية وتحقيق مشروع الدولة المدنية من عوامل الفرقة وانتهاز اتلفرص والاستئثار . والمفاجئة المهمة جاءت من انتخابات مجالس المحافظات في اقليم كرستان فكتلة التغيير التي مثلت الحصان الاسود في هذه الانتخابات تنحو هذا المنحى في التعاون وادراك الصلة العميقة بين مكونات الشعب العراقي الواحد . لقد جاءت ثقة الناخبين بهذه الكتلة تعبيرا عن مشاعر الشعب العراقي في كردستان ازاء اخوته ومواطنيه في بقية محافظات العراق . ويبقى على الطرف العربي في المركز وغيره ان يبادر هو الاخر وبمختلف الطرق لاعطاء الضمانات القانونية والمؤسسية بعدم السماح بتكرار تجارب الماضي الفاشلة والمحبطة وقد كلفت الشعب العراقي ومستقبله الكثير .
تنطوي امكانيات العراق عموما وكردستان على وجه اخص بامكانيات واسعة وهائلة للنماء والتطور . ويمكن بحساب السنين ان يجاوز العراق في اقل من عقد من الزمن خانة الفقر والانطلاق نحو دولة الانتاج والحرية . وفرص الحرية لا يخلقها الا الاحرار . ولا يمكن للانسان وخاصة من الفاعلين السياسيين ان يكون حرا ما لم يتخلص من الاثر السئ للموروث السياسي وصور المعاناة التي التصقت به . ان العبرة من هذا الموروث ليست بتكراره بصورته ازاء الاخرين بل بطرح بدائل اكثر انسانية وقدرة على استنهاض الروح الانساني المنظم والعقلاني القادر على الانتظام في مشروع الدولة المدنية . ان هذه المهمة بالدرجة الاساس مهمة اخلاقية لكنها ارتبطت بالفعل السياسي في العراق المعاصر مباشرة بسبب ضعف المجتمع المدني وكذلك الاصول التاريخية للسياسة العراقية القائمة على مبدا الغلبة وقهر الشعوب واستعبادها .
ان انفتاح اقليم كرستان علىالعالم مطلوب وضروري لحاجات الاقليم ومستقبله الا انه لن يكون فاعلا وقادرا على تلبية هذه الاحتياجات دون يرافقه او يسبقه انفتاح اقوى على بقية مكونات الشعب العراقي العرقية والدينية والسياسية . لقد اثبت العراقيون بمنعتهم ضد منطق الحرب الاهلية انهم شعب مدني في الاعماق وفي حقيقة مكوناتهم النفسية . لقد كان رهان الفوضى والحرب الاهلية ما اجتمعت عليه اطراف اقليمية ومنظمات دموية ارهابية مثل القاعدة وقد اصطدمت جميعها بصخرة الموقف المدني العراقي الذي يحب الحياة ويرفض الانزلاق الى هذه العدمية رغم غياب الدولة وضعف مؤسسات المجتمع المدني المنظمة والقادرة على اداء دورها في هذا الظرف الصعب .
يمكن لاقليم كردستان ان يكون القاعدة او النموذج للعراق الاتحادي الجديد بعد ان ينجز العراقيون في كردستان مشروع اعمار الذات الثقافية قبل المؤسسات والمشروعات . والمقصود بهذه الذات الشخصية الكردية العراقية التي تنظر الى المستقبل بعين العبرة من الماضي الكئيب والتفاؤل بعد الخلاص من السلطات الديكتاتورية والى الابد .